أهم الأخبارإنجلترازاوية اكسترامصر

لماذا عاقبت الجماهير المصرية محمد صلاح على عدم اشتهائه للخمر؟

“أتمنى أن تتلقى الجماهير الحوار كاملًا، ولا يأخذوا جزءًا للتعليق عليه، أريد أن يصل مضمونه كاملًا وأتمنى أن يؤثر ولو في حياة شخص واحد”. 

هكذا اختتم محمد صلاح حواره مع الإعلامي “عمرو أديب”، بكلمات لم تأتِ من فراغ، حيث يعانى من موجات هجوم وسخرية كلما تحدث في أي حوار، خاصة إن كان حديثه باللغة العربية التي تسهل الأمر على أبناء بلدته فعل أي شيء يريدونه.

صلاح أثناء حديثه بدا متوجسًا، وأعاد عبارة “كلما أتحدث تحدث مشاكل والبعض يغضب” قبل أكثر من إجابة على أسئلة الحوار.. وكأنه يتحسس الطريق قبل أن يخطو خطوة، لأنه يعلم تمامًا ما الذي ينتظره بعد ذلك.

ما خاف منه نجم ليفربول حدث بالفعل، وبمجرد، نشر الحوار، التقطت الجماهير صلاح كالفريسة، كما تفعل معه دائمًا.. والسبب؟ أنه لا يشرب الخمر!

صلاح تحدث عن أنه لا يشتهي الخمر، ولا يشعر أنه شيء كبير أو صعب أن يقوم بتجنب ذلك. لم يذكر كلمة “حرام” فبدأت الجماهير تتحدث عن أنه يتقرب للغرب ولا يريد أن يحرّم ما حرّمه الإسلام، وما إلى ذلك من اتهامات يتلقاها الفرعون المصري دائمًا، وتحديدًا منذ الوقت الذي تحدث فيه عن المشاكل الموجودة في الـ “مينتاليتي” المصرية.


اللبس الذي حدث كان سببه أن جزءًا كبيرًا من الناس تصور أن إجابة صلاح كانت على سؤال ما هو حكم الخمور في الإسلام؟ أو لماذا لا تشرب الخمر في الاحتفالات كما يفعل أصدقاؤك؟

ولهذا السبب، بنوا سرديات حول الردود الوسطية التي لا يتحدث فيها صلاح بشكل قاطع، بناء على مواقف سابقة، والسبب في ذلك دائمًا هو الخوف من المجتمع الغربي.

هذا الأمر ليس مرتبطًا بما قاله صلاح في حواره الأخير، ولكنه راجع لموقف البعض المسبق من صلاح، لو كان نجم ليفربول محببًا لتلك الفئة التي هاجمته، لحاولوا النظر إلى السياق، أو قاموا بالدفاع الأعمى كما حدث من البعض في قضايا سابقة، لكن لأنه بالفعل يوجد قطاع عريض يقوم بالتصيد له، تم تصدير الأمر بتلك الصورة التي تظهر “مو” في ثوب الرجل المتنصل من عروبته ودينه، والراغب دائمًا في التقرب من الغرب وثقافتهم.

ولكن في حال نظرت إلى الموضوع داخل سياقه، ستجد أن صلاح لم يقل إنه لا يشرب الخمور لأنه لا يشتهيها، أو إن مشكلته الوحيدة مع الخمور أنه لا يشتهيها. لو كان السؤال الموجه لصلاح هو لماذا لا تشرب؟ ستكون تلك الإجابة غير مناسبة من وجهة النظر الإسلامية للخمور، ولكن “ويا للمفاجأة”.. هذا لم يكن السؤال أصلًا!

السؤال الذي وجهه عمرو أديب لصلاح كان، كيف تتعامل مع ضغوطات وجودك في مجتمع أوروبي بأن يقول لحك أحد تفضل “كأس شامبانيا”.. أو نحن هنا بقدم أجود أنواع الشامبانيا، فكان رد صلاح “مناسبًا تمامًا” للسؤال، وهو “هنا لا أحد يضغط على الآخر ويتركون لكل شخص حريته، ثم أنا أصلًا لا أفكر في ذلك الأمر ولا أشتهي التجربة، ولم أشعر أنه شيء كبير أود تجربته”.

جواب يغطي أوجه السؤال، حيث إذا كنت أنت من توجه هذا السؤال لصلاح وسمعت منه تلك الإجابة، ستستنتج أنه وبناء عليه الموضوع لا يشكل ضغطًا عليه، لأنه أصلًا لا يشعر بالرغبة في التجربة ولا يضغط عليه أحد، وبالتالي ليس صعبًا ألا أشرب خمور وأنا أعيش في إنجلترا.

لو أجاب صلاح على هذا السؤال بعبارة “الخمور حرام” فهذه إجابة لسؤال آخر غير الذي وجه له من الأساس، وذلك لأن السؤال أصلًا مبني على كونها حرام من وجهة النظر الدينية التي يتفق عليها ويتبناها طرفا الحوار، وبناء عليه تتولد هذه الضغوطات على الشخص المسلم الذي يعيش في إنجلترا، فكيف يا صلاح تتعامل مع ذلك؟


إن لم تصلك الفكرة، اسأل نفسك ببساطة هل ممكن نسأل سؤالًا شبيهًا عن دبس الرمان مثلًا؟ بالطبع لا، لأن الإسلام ــ دين محمد صلاح ــ لا يحرمه أصلًا وبناء عليه، فلا يوجد ضغط ليمارس ضده، أما فيما يخص المشروبات الكحولية، فالسؤال مناسب تمامًا.

صلاح ليس قديسًا، وهو لم يقدم نفسه كذلك، ولكن حتى إن كان قديسًا وقدم نفسه كذلك فهو لم يخطئ في هذه القصة، البعض يريد أن يعاقبه دائمًا عن مجمل أعماله السابقة لأنه يكرهه، والغالبية تحب اتهام الشخص البسيط الذي أصبح نجمًا بأنه يتنصل من أصوله ومعتقداته حتى وإن لم يفعل ذلك.. ولمثل هذا، عاقب الجمهور صلاح لأنه قال لا أشرب الخمر ولا أشتهيه، عليك فقط أن تتخيل ما الذي كان ليحدث لو قال أحيانًا أشرب بعض الخمور مع أصدقائي في الاحتفالات!

هذا كان مثالًا بسيطًا لتعريف فكرة “السياق” في التغطية الصحفية، وكيف يمكن خلق قناعة غير حقيقية في أدمغة الناس بدون تحريف حرف واحد من التصريحات التي صرح بها الشخص، وذلك فقط بأن تخرجها من سياق الحوار أو السؤال وتقدمها بشكل منفصل ومجرد، فينقلب معناها 180 درجة.

يوسف حمدي

يوسف حمدي، كاتب وصحفي شاب، يرى العالم من منظور الأدب والرياضة والشغف، ويستمتع بالمزج بينهم من خلال الصحافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى